ابناء المعرة

منتدى لاهل المعرة والمحبين والاصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةبوابتيمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ليلة رأس السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
said



عدد الرسائل : 13
تاريخ التسجيل : 06/10/2008

مُساهمةموضوع: ليلة رأس السنة   23/10/2008, 09:40

صحيفة تشرين السورية
23 أكتوبر 2006
قصة قصيرة
سعيد هلال اشريفي

على رابية محاطة من كافة جهاتها بوديان وجبال شاهقة, تطل على الطريق المؤدية إلى قرية فوفنارغ, في عمق منطقة بروفانس, أمر الرسام العالمي الراحل بيكاسو بتشييد منزل ريفي فخم, مواجهة قصره, الذي عاش فيه المرحلة الأخيرة من حياته, حيث تضم حديقة القصر ضريح الفنان, ولا يفصله عن المنزل إلا الطريق العامة, المؤدية إلى القرية.
كدت أشعرلاْول مرة بثقل الغربة. الناس في الشارع بحركة دؤوبة, استعدادا للاحتفال بليلة رأس السنة. ضباب كثيف يكاد يخفي أنوار الشارع, ومصابيح السيارات العابرة, ترافقه موجة من الصقيع ورذاذ المطر.
فجأة, يرن جرس الهاتف. أندره كودجت, مدرس في الجامعة, حيث نعمل معا, على الخط.
بادر من دون مقدمات أو سؤال: أنت حتما غير مرتبط بموعد مع أحد لسهرة الليلة, بسبب حداثة عهدك في المدينة. أرجو أن تكون معنا. سننطلق بعد نحو ساعتين. سنكون وسط مجموعة مميزة, في قرية تبعد مسافة عشرة كيلومترات من هنا. وقبل أن يغلق السماعة, أوضح بأنه سبق أن تلقى الدعوة من إحدى طالباته, المتخرجة منذ بضع سنوات, وأنه لاحرج في حضوري. فقد خصت حفلها هذا العام لبعض مدرسيها وزملائها السابقين في الجامعة. واختتم أندره بالقول: لروزالين قصة في حياتها, ذات خصوصية مميزة, لابد أن تهمك كصحفي.
لم أكتشف ليلة ذاك, معالم الطريق المؤدية إلى فوفنارغ, بسبب الظلام الدامس, والضباب الكثيف, وتركيز انتباهي على الاْضواء الخلفية لسيارة أندره وزوجته, كي لايغيبا عن ناظري برهة واحدة.
لكنها كانت طريقا جبلية. اكتشفت روعتها في الأيام اللاحقة نهارا, وأنها تدعى "طريق سيزان", نسبة إلى الفنان التشكيلي الانطباعي" بول سيزان", ابن منطقة بروفانس, وقد قيل لي بأنه كان يسلكها يوميا مشيا على قدميه, وغالبا ما كان يتوغل في شعابها, ومسالكها, ومنها استوحى معظم أعماله الزيتية, التي تكلل أروقة أهم متاحف المدرسة الانطباعية في أوروبا والولايات المتحدة.
كانت تقف روزالين في مقدمة الشرفة, متدثرة بوشاح من الصوف, المزركش بألوان فاقعة, تستقبل مدعوييها القادمين تباعا.
قدمني أندره, مضيفا: إنه زميل من سورية, وصحفي.
لم أكن أعرف لماذا تركت كلمة "من سورية" وقعا لديها, إلا بعد مضي وقت, عندما تعمدت الجلوس بجواري, وأعادت السؤال:
أنت صحفي من سورية, في زيارة لفرنسا أم..
وأنت لست فرنسية. إسبانية على الأغلب. وأندلسية على وجه الخصوص. سألتها. فأومأت بالإيجاب.
كيف عرفت ذلك. هل حدثك أستاذي أندره عني؟
قال لي فقط أن ثمة قصة ما تغلف حياتك, أتوق لمعرفتها.
كل ما في بيتك الجميل يوحي بالأندلس: ضفيرة الفليلفة الحارة المجففة المعلقة في المطبخ, أصناف الزيتون المتعددة, التي تقدمينها كمقبلات لضيوفك. هذه اللوحة لقصر الحمراء على الجدار المقابل لنا, والموسيقى الإسبانية التي ترافقنا منذ وصولنا. ألا يكفي كل هذا ليسمح بالاستنتاج أنك أندلسية حتى النخاع؟
أجل. أندلسية حتى النخاع وفي الدم. أعادتها بضحكة مدوية, مردفة: لكن لم يقل لي ذلك أحد من قبل.
تعمدت ألا أطرح أي سؤال يخص حياتها, آملا أن تأتي, هي, على سرد حكايتها, بشكل عفوي.
وهذا ما حصل بعد قليل, عندما اقتربت عقارب الساعة من منتصف الليل, إيذانا باستقبال العام الجديد.
أطفأ بيدرو, زوجها, مصابيح الانارة لثوان, ثم أعادها. تبادل الجميع التهاني والأمنيات في أولى دقائق العام الجديد 1987. إلا هي. ظلت جاثمة في مقعدها, واجمة. أمسكت يدي اليسرى بتؤدة لتنبهني إلى حضورها, هامسة بحشرجة:
في مثل هذه الليلة, وربما في مثل هذه الساعة تحديدا من عام 1964, انتشلني الفنان العظيم بيكاسو من مصير أجهل اللآن معالمه.
كنت طفلة في السادسة من عمري, عندما ألقت بي الأقدار, إثر فقدان جميع أفراد عائلتي في حادث نجوت منه بمفردي, لاْجد نفسي مشردة بلا مأوى, بلا أقرباء, لاأحد. فالفقر المدقع كان يعم جنوب إسبانيا آنذاك.
كان بيكاسو, وقتذاك, في زيارة لموطنه. وهو بالمناسبة أندلسي من نفس المنطقة التي رأيت فيها النور, ويعرف أبوي. علم بوضعي, فأرسل بطلبي, واصطحبني معه بسيارته إلى فرنسا, وأقمت مع أسرته, في هذا القصر, المقابل لنا, حتى وفاته, حيث يرقد وحيدا في فنائه, بعد أن أغلقت زوجته "جاكلين" والورثة القصر, ورحلوا إلى باريس.
هل كان يعرف, بحدسه المرهف كفنان بأن ورثته سيرحلون إلى العاصمة, ويتركوه وحيدا, هنا, عقب وفاته, فآثر أن يبني لي هذا المنزل, بالقرب منه, ليقينه بأنني لن أفارقه؟
أتذكره بشدة وحنين, كل عام في مثل هذه الساعة. كان أكثر من أب, وأحن من جد حقيقي.
لقد شهدت تكوين معظم أعماله في سني حياته الاْخيرة. كان يجلسني, في معظم الأحيان, في حضنه, لاْشهد تكون لوحاته منذ خطوطها الاْولى.
قلت له ذات مرة: بابي, هكذا كان يحب أن أناديه, ارسم لي لوحة. فأجلسني بعيدا عنه, ورسمني بملامح اللحظة التي قدمت إليه فيها, طفلة أندلسية, مشردة, أقرب إلى أطفال الغجر.
اللوحة الآن في متحف بيكاسو في باريس, لكنه أوصى بعائدها المادي لي, وهو مبلغ يسمح لي في بحبوحة من العيش حتى نهاية العمر.
أرجو ألا تنشر شيئا مما سردته لك قيل عشرين عاما كي لا أتعرض لاشكالات مع زوجته القاسية جاكلين, التي لهثت أصلا وراءه للزواج طمعا بثروته الطائلة.
عشرون عاما مضت على لقاء لم يتجدد. أنا في حل من وعدي الآن. فعذرا روزالين من البوح بأسرارك. فالرغبة بالنشر أقوى من أن أزيد عليها شهرا واحدا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
كاسبر
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 258
العمر : 44
تاريخ التسجيل : 05/10/2008

مُساهمةموضوع: رد: ليلة رأس السنة   23/10/2008, 16:03

اولا هذه معلومة جيدة انا لااعرفا و قل من الناس من يعرفها ان الفنان العظيم بيكاسو اندلسي وهذا فخر لنا جميعا حتى لو لم نلمس منه شيئ
يكفي ان يعرف الغرب هذا
وانا اهنئك على صبرك ووفائك بوعدك عشرون عاما وقلما يوجد صحفي يستطيع ان يكتم خبرا هاما او غير هام مدة عشرون دقيقة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://m3raa.yoo7.com
 
ليلة رأس السنة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ابناء المعرة :: الفئة الاولى :: همس القوافي-
انتقل الى: